"حاكورتنا بأناملنا"... الحديقة كمركز ثقافي مفتوح

الرئيسية في القطان الأخبار "حاكورتنا بأناملنا"... الحديقة كمركز ثقافي مفتوح

لطالما كانت الفضاءات العامة في فلسطين، على وجه الخصوص، أماكن تلاقٍ للناس، بما شمله هذا التلاقي من فرصة مميزة للتحاور، والحديث، والنقاش في القضايا المتنوعة، المحلية منها والعالمية، وصولاً إلى الفعل المجتمعي، أو تشكيل أنوية مجتمعية قادرة على التحرك في حالات الطوارئ، وبذلك كان لها الدور الكبير في بناء أفراد مجتمع مترابطين، يشغلهم الهم الجمعي كأنه همهم الخاص، وقضايا أهالي المنطقة كأنها عائلتهم الصغيرة.

 

في بني سهيلا الواقعة في الطرف الجنوبي من قطاع غزة، التي تعتبر بوابة المنطقة الشرقية وحاضنة للبلدات المجاورة لحدودها، تجمع 37 متطوعاً ومتطوعّة من أهالي البلدة كفريق لمشروع "حاكورتنا بأناملنا"، متكاتفين لتحقيق وتلبية حاجة أهالي المنطقة لوجود مساحة مفتوحة تحتوي أطفالهم، تكون مؤهلةً للعب فيها ولاستثمار وقت فراغهم، ولتشكل، أيضاً، متنفساً للأهالي، يستطيعون اعتماده كمكان آمن للتنزه والتجمع، حيث لم يكن هناك، فيما سبق، أي مساحات مشابهة لسكان منطقة بني سهيلا.  الاحتياج الذي تم لمسه من خلال سلسلة اللقاءات الحوارية المتكررة والورشات التي نفذت مع أهالي البلدة حول هموهم، وتطلعاتهم لمستقبلها.

 

وقد تمكن المشروع، الذي يأتي تحت مظلة الجمعيّة الفلسطينيّة لتمكين الشباب الخيريّة في قطاع غزّة، من إنشاء مركز ثقافي مفتوح (حديقة ثقافية)، ومنطقة آمنة مخصصة كحاكورة للأطفال واليافعين والأهالي، مزودة بمرافق متعددة، وجاهزة لتنفيذ أي أنشطة ترفيهية وفنية واجتماعية، على قطعة أرض مساحتها 1.5 دونم تم تخصيصها من قبل بلدية بني سهيلا.

 

وعلى الرغم من هذا النجاح الكبير بحد ذاته، فإن المعنى الأكبر لهذا المشروع قد كمن في رحلة التأسيس، حيث تم تجنيد متطوعين من تخصصات متعددة في عملية البناء، إذ كان توجه المشروع الرئيسي هو إشراك أهالي المنطقة في تحديد الاحتياج من المكان، والتفكير في التصميم، ومن ثم البناء وحتى التفعيل، وكذلك كان، فقد شارك الأهالي في بناء المنتزه، بحيث ساهموا يداً بيد، وكل حسب خبرته، في قصارة الجدران الداخلية للمنتزه، وفي أعمال التسوية والحفر والردم، كما تبليط المدخل المؤدي إلى الحديقة، وتركيب الإضاءة، ووضع حاويات القمامة.  كما شجع هذا العمل جمعيات أخرى للمساهمة، وحتى تكون جزءاً من هذه الثقافة التشاركية التعاونية، حيث ساهمت جمعية الرؤيا الفلسطينية في تركيب ألعاب جديدة خاصة بالأطفال بجوار الحديقة وتركيب كراسي خشبية جديدة، ما ساهم، بدوره، في توسيع الأثر وتعميقه بين تشكيلة واسعة من مكونات المجتمع.

 

وعمل المشروع، بشكل أساسي، على حملة إعلامية، لاستقطاب متطوعين مناسبين للأنشطة المنفذة، في سياق دمجهم وإبراز مواهبهم الفنية والفكرية، ولتشجيع الأهالي على الانخراط في هذه الممارسة المجتمعية، والحضور والاستفادة من هذا الفضاء الذي وفّر من أجلهم، حيث قام المتطوعون بتصميم صفحة خاصة بالمشروع على مواقع التواصل الاجتماعي، وعمل إعلانات ممولة تستهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من سكان المنطقة، كما قاموا بطباعة كافة الشعارات والبوسترات الخاصة بالمشروع، وكذلك عمل فيديو يوثق نشاطات المشروع، والمشاركة على لوحة الإعلانات الخاصة ببلدية بني سهيلا.

 

يحاول المشروع أن يستفيد من مهارات الأهالي، وأن يفيدهم، عبر توظيفها في تنفيذ بعض الأنشطة، أو الاحتياجات.  تقول خريجة هندسة الديكور، ميساء القرا: "لم أعمل من قبل، ولم أرتبط بسوق العمل المحلي، كان للمشروع دور إيجابي في صقل موهبتي عبر المشاركة في وضع تصور نهائي لشكل الحديقة الخاصة للمدينة (حديقة حاكورتنا بأناملنا)، إضافة إلى مشاركتي كمتطوعة في تنفيذ الأنشطة الخاصة بالمشروع، والمشاركة في جميعها، واستفدت من أنشطة المشروع بالتعرف على العديد من المواضيع الخاصة بالمجتمع، ومنها المواضيع الصحية والإرشادية، وكيفية التعامل مع جميع فئات المجتمع، وبخاصة الأطفال، إضافة إلى أن المشروع شجعني على أن أكون مبادرة ومشاركة وعنصراً فعالاً في المجتمع".

 

هذا ولا يقتصر تدخل أهالي المنطقة هنا، إنما كما ذكرنا فهو مستمر حتى تفعيل هذا المنتزه الثقافي من خلال مشاركتهم في بلورة أفكار الورشات والفعاليّات التنشيطيّة وتنفيذها إلى جانب المتطوعين، حيث تم ضمن المشروع تنفيذ العديد من الأنشطة واللقاءات والجلسات، بدءاً من الجلسات التوعوية مع النساء، التي تناولت موضوع الصحة الإرشادية، وكذلك جلسات تنشيط الأطفال، وفعاليات التراث الشعبي، حيث تم عقد 10 جلسات لفعاليات التراث الشعبي، 4 منها خاصة بالنساء، وتم خلالها إحياء الأناشيد والأغنيات الفلسطينية القديمة من زجل ومواويل، و6 جلسات أخرى خاصة بالرجال، تم فيها تنفيذ عرض لفنون الدحية والغناء الشعبي (الفلكلور) والزجل والمواويل الشعبية، وسرد قصص من التراث الفلسطيني، وعلاقة التاريخ بالتراث، فيما تخلل هده الجلسات شرح لمفهوم التراث وأنواعه وكيفية نقل التراث بين الأجيال.  كما نفذت 3 عروض مسرح خاصة بالأطفال، حول الحفاظ على الممتلكات العامة، والتنمر، والسخرية، وتم عرض المسرحيات بطريقة مبسّطة للأطفال.

 

جوهر العملية برمتها بكل ما تحمله من تفاصيل، ينعكس في أمرين رئيسيين؛ الأول، بوقوف المجتمع أمام مسؤولياته الاجتماعية، وتحفيز الرغبة بالبذل والعطاء من أجل هذا المجتمع، والثاني هو تصدير صورة من خلال الأهل والأكبر عمراً إلى الأطفال والشباب، تعزز لديهم مفاهيم الملكية والانتماء والمشاركة لهذا الفضاء العام، وبالتالي الاهتمام به والحفاظ عليه، والرغبة الدائمة في جعله أفضل فأفضل، مطورين بذلك علاقة الأطفال بالمرافق العامة، وبمجتمعهم ككل.

 

سيتمكن الناظر إلى صور المتطوعين والأهالي وهم يعملون معاً في المبادرة، إلى جانب فيديوهات الأنشطة واندماج الأطفال فيها، من رؤية ما خلقه المنتزه كنقطة حية في المنطقة، تجتمع فيه النساء لقضاء الوقت، ويأتي إليه الأطفال للعب، لتحقق الحديقة هدفها بأن تكون مساحة لتجمع الكبار بالصغار، في مكان نظيف وآمن، ومتاح لإحياء مناسبات اجتماعية كعيد الأم، وحلول شهر رمضان، وتنفيذ أيام مفتوحة تفاعلية.

 

يذكر أن هذا المشروع نفذ ضمن مشروع "الثقافة والفنون والمشاركة المجتمعيّة" في دورته السابعة للعام 2022، الذي تنفذه مؤسسة عبد المحسن القطَّان بتمويل مشارك من الوكالة السويسريّة للتنمية والتعاون (SDC).